مصطفى صادق الرافعي

231

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

باليأس والقنوط ، فذهب منه ما كان في طوقه وقوّته من البلاغة في سبيل ما ليس في طوقه وقوته ، وأكدى طبعه فيما كان ينجح فيه ، وتبدل من شأنه الأول شأنا ثانيا كيفما أداره رآه سواء غير مختلف . وذلك كله من غير أن يكون هناك إلا قوة القرآن المعجزة ، وقوة نفسه العاجزة ، وهذا معنى قد وقع تفصيله في موضعه ومر في بابه ، فلا حاجة بنا إلى الزيادة منه بأكثر مما سلف . وضرب آخر من الأوضاع التركيبية في بلاغة النبي صلّى اللّه عليه وسلم غير ما مرت مثله من ذلك النحو الذي يكون مجتمعا بنفسه منفردا في الكلم القليلة ، وهذا الضرب يتفق في بعض الكلام المبسوط ، فتقوم اللمحة منه في دلالتها بأوسع ما تأتي به الإطالة ، وتكفي من مرادفة المعاني وتوكيدها ومقابلتها بعضها ببعض ، فيكون السكوت عليها كلاما طويلا ، والوقوف عندها شأوا بعيدا وهو القليل في كلام البلغاء إلى حد النّدرة التي لا يبنى عليها حكم ، ولكنه كثير رائع في البلاغة النبوية ، لما عرفت من أسباب قلة كلامه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن هذه القلة إن لم تنطو على مثل هذا الضرب الغريب ، لا تفي بالكثرة من غيره ، ولا تعدّ في باب التمكين والاستطاعة ، ولا يكون فضلها في الكلام فضلا ، ولا يعرف أمرها في البلاغة أمرا . فمن ذلك حديث الحديبية « 1 » ، حين جاءه بديل بن ورقاء يتهدده ويحذّره فقال له ، إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي ، معهم العوذ المطافيل « 2 » وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إن قريشا قد نهكتهم الحرب « 3 » فإن شاءوا ماددناهم مدّة ويدعوا ما بيني وبين الناس فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس . . . وإلا كانوا قد جمّوا ، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي هذه « 4 » ، ولينفذن اللّه أمره » . فتأمل قوله عليه الصلاة والسلام : « حتى تنفرد سالفتي هذه » ، وكيف تصوّر معنى الانفراد الذي لا يستوحش منه لأن الثقة فيه باللّه ، والقلة التي لا يخاف منها لأن الكثرة فيها من اللّه ، والاستماتة التي لا تردّد معها لأن الأمر فيها إلى اللّه ، وانظر كيف يصف العزيمة الحذّاء ، وكيف تقرع بالوعيد والتهديد ، وكيف تغني في جواب القوم ما لا تغنيه

--> ( 1 ) هي بئر قرب مكة أو قيل لها ذلك لشجرة حدباء كانت هناك . ( 2 ) يريد النساء والصبيان ، والعوذ في الأصل ، جمع عائذ ، وهي الناقة إذا وضعت وبعد ما تضع أياما حتى يقوى ولدها ، أو هي كل أنثى حديثة النتاج ؛ والمطافيل : جمع مطفل وهي ذات الطفل . وغرضه : أنهم جاءوا بحميتهم وما يقاتلون عليه فلا ينهزمون عنه ! . ( 3 ) أي جهدتهم هزلتهم وبالغت فيهم . ( 4 ) المراد بالسالفة : العنق : وهي في الأصل ناحية مقدمها .